ابن عجيبة
556
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والمراد بالخصوصية : تحقيق مقام الفناء ، ودخول بلاد المعاني . فكل من لم يحصل مقام الفناء ، ولم يشهد إلا المحسوسات فهو من العوام ، ولو بلغ من العلم والعمل ما بلغ ، ولو رأى من الكرامات أمثال الجبال . فمن صحب مثل هذا الذي لم يفن عن نفسه ، ولم يخرج عن دائرة حسه ، لم يخرج من العمومية ؛ لأن نفسه فرعونية . قال تعالى : وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ، وفي الخبر : « المرء على دين خليله » وقال الشاعر : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكلّ قرين بالمقارن يقتدى « 1 » واللّه تعالى أعلم . ثم وعظ نبيه بما جرى على الأمم المتقدمة آنفا ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 100 إلى 104 ] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ ( 100 ) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ( 101 ) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ( 102 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ( 103 ) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ( 104 ) قلت : ( ذلك ) : مبتدأ . و ( من أنباء ) : خبر ، و ( نقصه ) : خبر ثان . وجملة : ( منها قائم وحصيد ) : استئنافية لا حالية ؛ لعدم الرابط . يقول الحق جل جلاله : ذلِكَ النبأ الذي أخبرناك به في هذه السورة ، هو مِنْ أَنْباءِ الْقُرى الماضية المهلكة ، نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ، ونخبرك به ؛ تهديدا لأمتك وتسلية لك . مِنْها ما هو قائِمٌ البناء باقي الأثر ، وَ منها حَصِيدٌ أي : محصود عافى الأثر ، كالزرع المحصود . أو : منها ما هو ساكن بقوم آخرين ، قائم العمارة بغير من هلك ، ومنها ما هو دارس على أثره ، واندرست أطلاله . قال تعالى : وَما ظَلَمْناهُمْ بإهلاكنا إياهم ، وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بأن عرضوها له ؛ بارتكابهم ما يوجب هلاكهم ، فعبدوا معي غيرى ، فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ : ما نفعتهم ، ولا قدرت أن تدفع عنهم العذاب ، آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ من ذلك العذاب ، لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ - ؛ حين جاءهم عذابه
--> ( 1 ) البيت منسوب إلى عدى بن زيد . انظر : نهاية الأرب 3 / 65 والعقد الفريد 2 / 311 .